اسماعيل بن محمد القونوي
35
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وكذا ما بعدها ) فإنه أيضا مذكور هنا لإبطال قولهم نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وأما ما سبق فإنه مذكور على سبيل تعداد النعم فإن ذلك نعمة لهم من وجه ومبطل لقولهم من حيث اشتماله على جنايتهم وكون هذا إبطالا لقولهم واضح وأما كونه تعديدا للنعم فيما سبق فلقوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [ البقرة : 64 ] الآية وذكر بعده قوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 51 ] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ [ البقرة : 52 ] فقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ عطف على فلم تقتلون بتقدير اذكروا أو ظرف لقالوا سمعنا وهو عطف على تقتلون كذا قيل ويلزم على الوجه الأخير كون وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ [ البقرة : 63 ] مقولا للقول « 1 » المذكور وفي الكشاف كرر حديث رفع الطور لما نيط به من الزيادة وهو قوله وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ فعلى هذا يكون معطوفا على قوله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [ البقرة : 84 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 87 ] إلى هنا اعتراض ولم يرض به المصنف فقال لا لتكرير القصة وكذا ما بعده . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 93 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قوله : ( أي قلنا لهم خذوا ) وهذا التقدير ونحوه يأبى عن كون هذا الكلام مقولا له عليه السّلام مع أن عطفه على تقتلون كما قيل يقتضي ذلك قوله ( ما أمرتم به في التورية بجد وعزيمة ) عبارة عن ما آتيناكم ومعناه والتعبير عنه بالأبناء لأن جميع المأمورات من المنافع الجليلة والفوائد الكريمة قوله بجد تفسير لقوله بقوة والمراد بها ليس معناها الظاهري إذ أخذ المأمور لا يكون إلا بالقوة والاستطاعة فلا يكون للأمر بها كثير فائدة فالمراد لازمها وهو الأخذ بالجد والاهتمام لا بالفتور والتكاسل كما هو ديدن المنافقين . قوله : ( واسمعوا سماع طاعة ) وإجابة يعني أنهم أمروا بسماع مقرون بالإجابة والامتثال ففي الحقيقة أنهم أمروا بالإجابة إذ لا فائدة في الأمر بالسماع المطلق لا سيما بعد قوله : وأسمعوا سماع طاعة وإنما قيد السماع بقيد الطاعة ليطابقه جوابهم وهو قولهم سَمِعْنا وَعَصَيْنا لأن معنى الجواب سمعنا سماع معصية فلا بد من تقييد السماع المأمور به بالطاعة ليطابقه الجواب طباق التقابل ومرجعه إلى القول بالموجب أمرهم بالسماع وأجابوا به ولكن على طريق العصيان ونظيره قوله عز وجل : وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [ التوبة : 61 ] قال الراغب قوله سمعوا معناه فهموا وقيل عملوا به ووجه ذلك أن الشيء يسمع ثم يتخيل ثم يفهم ثم يعقل ثم يعمل به إن كان ذلك المسموع مما يقتضي عملا ولما كان السماع مبدأ والعمل غاية وما بينهما وسائط صح أن يذكر ويراد به بعض الوسائط وأن يعنى به الغاية .
--> ( 1 ) ولا يخفى عدم استقامته ظاهرا إلا أن يقال الوجه فيه كالوجه الذي ذكر في قوله تعالى : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ [ الحجر : 89 ، 90 ] فإن كَما أَنْزَلْنا مقول لقل على وجه .